الوجه التاسع: أن (إن) في هذه الآية ليست التي بمعنى الشرط؛ لأن من المحال العظيم الذي يتمثل في فهم من له مسكة من فهم أن يكون إنسان يدعو إلى دين يقاتل عليه، وينازع فيه أهل الأرض، ويدين به أهل البلاد العظيمة ثم يقول لهم: إني في شك مما أقاتلكم عليه أيها المخالفون، ولست على يقين مما أدعوكم إليه وأحققه لكم أيها التابعون، وإنما معنى (إن) هنا: الجحد، فهي هنا بمعنى: (ما) وهذا المعنى هو أحد موضوعاتها في اللغة العربية، كما قال تعالى آمرًا نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] بمعنى: ما أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون، كما ذكر الله - عز وجل - عن الأنبياء أنهم قالوا: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [إبراهيم: 11] وكما قال تعالى مخبرًا عن النسوة إذ رأين يوسف - عليه السلام - فقلن: إِنْ
هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 31] بمعنى: ما هذا إلا ملك كريم، وكما قال تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) } [الأنبياء: 17] أي: ما كنا فاعلين، فعلى هذا المعنى خاطب نبيه - صلى الله عليه وسلم: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك كما قال تعالى: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [يونس: 94] بمعنى: ولا أعدائك الذين يقاتلونك من الذين أوتوا الكتاب من قبلك ما هم أيضًا في شك مما أنزلنا إليك؛ بل هم موقنون بصحة قولك وإنك نبي حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا شك عندهم في أن الذي جاءك الحق، ومثل هذا أيضًا قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] تهوينًا له، وكذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) } [الزخرف: 81] بمعنى: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول الجاهدين لا يكون له ولد.