ونظيره قول الله تعالى للملائكة: {يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] ، والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] ، وكما قال لعيسى - عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ، والمقصود منه أن يصرح عيسى - عليه السلام - بالبراءة عن ذلك فكذلك هنا.
وكقوله تعالى: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ} [القصص: 87] ولزيادة التثبيت والعصمة.
الوجه الرابع: هو أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ
صَدْرُكَ [هود: 12] ، وتمام التقرير في هذا الباب أن قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} فافعل كذا وكذا قضية شرطية، والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بأن الشرط وقع أو لم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمه لماهية ذلك الجزاء فقط.
والدليل على هذا أنك إذا قلت: إن كانت الخمسة زوجًا كانت منقسمة بمتساويين، فهو كلام حق؛ لأن معناه أن كون الخمسة زوجًا يستلزم كونها منقسمة بمتساويين، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ها هنا هذه الآية، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا، فأما إن كان هذا الشك وقع أو لم يقع، فليس في الآية دلالة عليه.