ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} والعنكبوت والحمام مرئيان ، وأول الجنود غير المرئية هو أنه لم يخطر على بال القوم ولا فكرهم أن ينظروا في الغار ، مع أن آثار الأقدام انتهت إليه . لكن الله طمس على قلوبهم وصرفهم عن هذه الفكرة بالذات ، ولم تخطر على بالهم . ثم جاء حدث آخر حين استطاع سراقة بن مالك وهو من الكفار أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وهما في طريقهما إلى المدينة ، وكلما حاول الاقتراب منهما ابتلعت الأرض قوائم فرسه في الرمال ، وعلى أية حال ما دام الحق سبحانه وتعالى قال: {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} وقال في آية أخرى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] .
إذن: فالجنود الذين سخرهم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ليحفظوه خلال الهجرة لا يعلمهم إلا الله . وكل شيء في هذا الكون من جنود الله ؛ فهو سبحانه وتعالى الذي سخر الكافر لخدمة الإيمان ، ألم يكن دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة هو عبد الله بن أريقط ، وكان ما زال على الكفر ، فكأن الله سبحانه وتعالى يسخر له الكافر ليكون دليله في رحلته من مكة إلى المدينة . وهكذا عمل الكافر في خدمة الإيمان ، وفي الوقت نفسه فكل ما رصدتْه قريش من جُعل لمن يدلُّها على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُغْرِ الدليل الكافر بالخيانة ، بل أدخل الله على قلب الكافر ما يجعله أميناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم .