ويظهر الإعجاز الإلهي هنا في: أن الله سبحانه قد صد مجموعة كبيرة من المقاتلين الأقوياء بأوهى البيوت ، وهو بيت العنكبوت ، وقدرة الله تجلَّتْ في أن يجعل خيط العنكبوت أقوى من الفولاذ ، وكذلك شاء الحق أن يبيض الحمام وهو أودع الطيور ، وإنْ أهيجَ هاج .
وهذا نصر ، ثم هناك نصر ثالث نفسي وذاتي ،"فحين قال أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد في ثقة بربه:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"."
هذا الرد ينسجم مع سؤال أبي بكر ؛ لأن أبا بكر كان يخشى أنهم لو نظروا تحت أقدامهم لرأوا مَنْ في الغار ، وكان الرد الطبيعي أن يقال:"لن يرونا"، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يلفتنا لفتة إيمانية إلى اللازم الأعلى ، فقال:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، لأنه ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في معية الله ، والله لا تدركه الأبصار ؛ فمن في معيته لا تدركه الأبصار .
وتكون كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعوَّد أبو بكر منه الصدق في كل ما يقول ، تكون هي الحجة على صدق ما قال ، فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه أسْرى به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء ، قال أبو بكر: إن كان قد قال فقد صدق . فحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر فيما يحكيه سبحانه: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا} ، فلا بد أن يذهب الحزن عن أبي بكر ، وقد خشي سيدنا أبو بكر حين دخل الغار ووجد ثقوباً ، خشي أن يكون فيها حيات ، أو ثعابين ، فأخذ يمزق ثوبه ويسد به تلك الثقوب ؛ حتى لم يَبْقَ من الثوب إلا ما يستر العورة ، فسدَّ الثقوب الباقية بيده وكعبه .