أي لم يكن بينهم مؤمن وكافر بحيث يكون هنا تفرقة بأن ينجي المؤمنين ويغرق الكافرين ، بل كلهم ظلموا أنفسهم بالكفر ؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} ، وذكر سبحانه آل فرعون بالتخصيص ؛ لأنهم الأمة الوحيدة التي بقيت حضارتها تدل على مدى تقدمها ، هذا التقدم الذي لم نصل إلى كل أسراره حتى الآن . ولا يمكن أن تنتهي مثل هذه الحضارة إلا بقوة أعلى من قوتها . فكأن الحق قد أراد أن يلفتنا إلى آل فرعون بالذات ؛ لأنه قدر للبشرية أن تكتشف آثار آل فرعون ، وآثارهم لافتة للعالم أجمع ، ووضع في قلوب البشر حب أن يأتوا ليروا حضارة آل فرعون ، ويتعجبوا كيف وصلوا إلى هذه المنزلة العالية من الحضارة ، ثم انهارت هذه الحضارة كدليل على وجود قوة أعلى وهي الله سبحانه وتعالى ، وقد أهلكهم الحق لأنهم كفروا بالألوهية واتخذوا فرعون إلها وربا من دون الله ، وكفروا بنعمة الربوبية التي أعطاها الله لهم ، والتي يذكر الله جزءا منها في قوله الكريم: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 25 - 27] .
إذن فالله تعالى قد أعطاهم الزرع والماء ولم يعطهم بتقتير ، بل أعطاهم بوفرة وسعة ؛ لذلك قال تعالى: {جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}
وأعطاهم الثروة والقوة التي تحفظ لهم كرامتهم ؛ وتجعلهم أسياد الأرض في عصرهم ، وحققت لهم مقاماً كريماً ولم يجرؤ أحد على أن يهينهم ، ولا أن يعتدي عليهم ، فقد كان عندهم كنوز الأرض ؛ وعندهم القوة التي تحفظ لهم الكرامة في قوله تعالى: {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 26 - 27]