وروى عن ابن عباس أنه قال: حين قال موسى لربه تبارك وتعالى: « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » قال له يا موسى إنك « لَنْ تَرانِي » يقول: ليس ترانى ، لا يكون ذلك أبدا ، يا موسى إنه لن يرانى أحد فيحيا ، قال موسى: رب أن أراك ثم أموت أحبّ إليّ من ألا أراك ثم أحيا ، فقال اللّه يا موسى انظر إلى الجبل الطويل العظيم الشديد « فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ » يقول فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهدّ لبعض ما يرى من عظمى « فَسَوْفَ تَرانِي » أنت لضعفك وذلتك ، وإن الجبل تضعضع وانهدّ بقوته وشدته وعظمته فأنت أضعف وأذل.
(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) أي فلما تجلى ربه للجبل أقل التجلي وأدناه انهد وهبط وصار كالأرض المدكوكة أو الناقة الدكاء ، وسقط موسى على وجهه مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة ، والتجلي إنما كان للجبل دونه فما بالك لو كان له.
روى أنه ساخ: أي غاص فِي الأرض: أي أنه رجّ بالتجلى رجا ، بست به حجارته بسا ، وساخ فِي الأرض كله أو بعضه فِي أثناء ذلك حين صار ربوة دكاء وكان كالرمل المتلبد.
(فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) أي فلما أفاق من غشيه قال سبحانك: أي تنزيها لك وتقديسا عما لا ينبغى فِي شأنك مما سألت.
وأكثر المفسرين يجعلون وجه التنزيه والتوبة أنه سأل الرؤية بغير إذن من اللّه تعالى فتاب ورجع عما طلب.
قال مجاهد: « تُبْتُ إِلَيْكَ » أن أسألك الرؤية: « وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » أي من بني إسرائيل ، وفى رواية عن ابن عباس: وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد.