والتخريج الثالث - أن الآية لم تدل على الإباحة المطلقة، إنما أخذت الإباحة بالمفهوم، ولا يؤخذ بالمفهوم حيث يكون نص، وهناك نصوص تمنع.
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلا عَاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُور رَّحِيمٌ) .
هذا التحريم مؤكد في حال الاختيار، لَا في حال الاضطرار، فمن كان في حال ضرورة لَا يجد ما يطعمه، وقد تعرض للهلاك جوعا وهو غير باغ ولا معتد، فإن الله تعالى يغفر له أكله، وقد قلنا إن حد الضرورة قد بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - إجابة لمن سأله - إذ قال له:"أن يجيء الصبوح والغبوق ولا تجد ما تأكله".
(والباغي) له تخريجان:
أولهما - أن الباغي، هو من خرج باغيا على الحاكم العادل ظالما له، أو من خرج لمعصية، فإنه لَا ينتفع بهذه الرخصة، وذلك يكون سيرا على قاعدة: إن من ارتكب معصية لَا تكون المعصية سببا لنعمة الرخصة، كمن يرتكب جريمة وهو سكران بمحرم، فإنه لَا يعفى من الجريمة بسبب السكر، وذلك مبدأ مقرر عند بعض الفقهاء وخصوصا فقهاء العراق.
والثاني - أن الباغي الطالب لهذا المحرم المشتهى له، كأن يكون مضطرا فلا يجد إلا خنزيرا، يشتهيه ويأكله باغيا له طالبا.
و (العادي) هو له هذان التفسيران أيضا، فخرجه بعض الناس على أنه الظالم بمعصية أوقعته في هذه الضرورة فإنه عاص لَا يستمتع بنعمة الرخصة.
والثاني - أن العادي أي المتجاوز لحد الضرورة.
وأميل إلى أن الباغي المشتهى الطالب للميتة أو الخنزير، وأن العادي هو المتجاوز لحد الضرورة، فإن رحمة الله تعالى في الدنيا، تتسع للأشرار كما تتسع للأخيار والحساب عند الله، وعسى أن يغفر الله لهم، وننبه هنا إلى أمرين:
أحدهما - معنوي، وهو أن هذه الحرمات ما حرمت إلا لأنها خبائث، والله حرم الخبائث، وإن فيها إفسادا للجسم الإنساني وإضرارا به، وإن الضرورة وشدة الجوع قد تذهب بأوضار الأخباث التي في هذه المحرمات، وإن ضررها يقل بالنسبة للجائع جوعا شديدا يؤدي إلى الهلاك، وإن كان ثمة ضرر من بعد، فإنه أخف مما يترتب على الامتناع، ولذلك كانت الرخصة مقيدة بالا يتجاوز حد الضرورة؛ لأنه إن تجاوزه غلب الضرر، واشتد أثر الجراثيم المفسدة للجسم التي تحتوي عليها هذه المحرمات.