وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى ، إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده. أي: تدعثر. وقال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة (1) يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء. فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه - تعالى وتقدس وتنزه - فلا تدركه الأبصار ؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا ، وتحتج بهذه الآية: {لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ} فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه ، فإن ذلك غير ممكن للبشر ، ولا للملائكة ولا لشيء .
وقوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ} أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه ؛ لأنه خلقها كما قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين ، كما قال السُّدِّي في قوله: {لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ}
(1) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (1/214) لابن أبي العز الحنفي للتوسع في بحث الرؤية.