وحيثما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه، التقى بأسرار تدهش وتحير، خلق أعضائه وتوزيعها، وأشكالها ووظائفها، وفي كل عضو من أعضائه، بل في كل جزء من عضو، خارقة تحير الألباب، لو كانت هناك عقول.
وأعجب من هذا أسرار روحه، وطاقاتها المعلومة والمجهولة، إدراكه للأشياء، وطريقة إدراكها، وحفظها، وتذكرها.
وهذه المعلومات والصور والكلمات أين خزنت؟، وكيف انطبعت؟، وكيف تُستدعى فتجيء؟.
ومن ألف وجمع في المخ آلاف الآيات والأحاديث والكلمات والقصص والأشعار وغيرها .. ؟ ومن حفظها في الذهن كما يحفظ المال في الخزانة .. ؟
ثم أسراره في توالده وتكاثره، خلية واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص.
وكل فرد من هذا الإنسان عالم وحده، وطبعة خاصة لا تتكرر أبداً على مدى الدهور، ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعاً، لا في شكله وملامحه، ولا في عقله ومداركه، ولا في روحه ومشاعره.
فكل فرد نموذج خاص، وطبعة فريدة لا تتكرر.
وما أعظم وأمتع تلك اللحظات التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم، بعين العابد السائح، الذي يتجول في معرض من إبداع أحسن الخالقين.
ألا ما أعظم الخالق .. وما أعظم صنعه وخلقه.
وما أخطر الجهل .. وما أسوأ الغفلة .. وما أضل من جهل نفسه.
متى يتفكر الإنسان في نفسه؟.
ومتى ينتبه القلب من رقدته؟.
ومتى يؤوب العبد إلى ربه؟.
إن سبب الخسران في الدنيا والآخرة الفكر فيما يفنى، والجهد في غير محله، والجلوس على موائد الشيطان، والإعراض عن موائد الرحمن.
إن الرابح حقاً من حجز المقاعد كلها للدين، الفكر واللسان، والسمع والبصر، والقلب والعقل، والروح والبدن، وبقية الجوارح: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) } [الطارق: 5 - 7] .
انظر إلى النطفة التي خلقها الله، إنها تحتوي على أكثر من مائة ألف إنسان قابل للحياة في كل دفقة مني من الإنسان.
فسبحان من جمع هذه الخلائق في قطرة ماء مهين ضعيف مستقذر، لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وأنتنت.