فالإنسان والنبات كلاهما نبات من نبات الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم شرابه وطعامه.
وكما أن في النبات الحلو والمر .. والنافع والضار .. وذا الأزهار والثمار .. وذا الشوك والسم، فكذلك في الإنسان المسلم والكافر .. والمطيع والعاصي .. وذو الإيمان والأعمال الصالحة .. وذو الشر والفساد .. ولكل أجل .. ولكل عمل .. ولكل مقعد إما في الجنة أو النار .. وكل راجع إلى ربه .. ومحاسب على عمله: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [الغاشية: 25، 26] .
إن خلق الإنسان بهذا التكوين العجيب، وبهذه الخصائص الفريدة، وبهذه الوظائف اللطيفة المتنوعة الكثيرة، لآيات تدهش العقول، وتحير الألباب، ولكننا نسيناها لطول تكرارها، ولقربها منا، وإلفنا لها.
إن التركيب العضوي لجارحة واحدة من جوارح الإنسان مسألة تدير الرأس عجباً ودهشة وعبرة.
وهو في تركيبه النفسي أشد تركباً وتعقداً من تركيبه العضوي: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ق: 16] .
إن هذا الإنسان هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض كما قال سبحانه: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات: 21] .
ولكنه يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن
الإيمان، وحين يحرم نعمة اليقين.
إن آيات الرب تبارك وتعالى في خلقه ومخلوقاته تبصرة وذكرى، يتبصر بها من عمى القلب، ويتذكر بها من غفلته، فيعظم من خلقه.
فالمضاد للعلم، إما عمى القلب، وزواله بالتبصر، وإما غفلته، وزواله بالتذكر.
وأعظم وأفضل ما أنفقت فيه الأنفاس .. التفكر في آيات الله .. وعجائب صنعه .. والانتقال منها إلى تعلق القلب بالله .. وتعظيمه وتوقيره سبحانه دون شيء من مخلوقاته بتوحيده والإيمان به .. وطاعته، وعبادته.
إن هذا الإنسان عجيبة في تكوينه الجسماني في أسرار هذا الجسد .. وعجيبة في تكوينه الروحي في أسرار هذه النفس.