وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: أَهَذَا رَبِّي عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ لَيْسَ هَذَا رَبِّي. وَقَالُوا: قَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَتَحْذِفُ الْأَلِفَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ. وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
رَفُونِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يَعْنِي: (أَهُمُ هُمُ؟) ، قَالُوا: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَوْسٍ:
[البحر الطويل]
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ
بِمَعْنَى: أَشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ؟ فَحَذَفَ الْأَلِفَ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَذْكِيرُ (هَذَا) فِي قَوْلِهِ: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي} ، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى: هَذَا الشَّيْءُ الطَّالِعُ رَبِّي.
وَفِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَفَلَ الْقَمَرُ: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} الدَّلِيلُ عَلَى خَطَأِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ.
وَأَنَّ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: الْإِقْرَارُ بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا عَدَاهُ [1] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ {فَلَمَّا أَفَلَ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَلَمَّا غَابَ وَذَهَبَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: الْأُفُولُ: الذِّهَابُ، يُقَالُ مِنْهُ: أَفَلَ النَّجْمُ يَأْفُلُ وَيَأْفِلُ أُفُولًا وَأَفْلًا: إِذَا غَابَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[البحر الطويل]
مَصَابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّوَاتِي يَقُودُهَا ... نُجُومٌ وَلَا بِالْآفِلَاتِ الدَّوَالِكِ
وَيُقَالُ: أَيْنَ أَفَلْتَ عَنَّا؟ بِمَعْنَى: أَيْنَ غِبْتَ عَنَّا؟
[1] لا أجد عذرا للطبري في رد هذه الوجوه القوية المضيئة، ولا أدري ما مسوغه في الإصرار على هذا التجني المقيت والافتراء البغيض على خليل الرحمن - عليه السلام - ، وهل خبر الله هنا يفهم منه وقوع الخليل - حاشاه - في الشرك (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)
وقد تقدم الرد على ذلك مفصلا.