والحاصل أنه صلى يومئذٍ أول ما طلع الفجر ، والمعتاد أنه كان يصلي بعد ذلك بشيء فيرد أنها صارت حينئذٍ لوقتها فكيف يصح عدها لغير وقتها حتى تستثنى من قوله ما رأيت الخ. أجيب بأن المراد بقوله لغير وقتها المعتاد. قلت فيلزم من اعتبار العموم فيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما صلى صلاة في غير الوقت المعتاد أبدًا لا بتقديم شيء ولا بتأخيره لا سفرًا ولا حضرًا سوى هاتين الصلاتين بل كان دائمًا يصلي في وقت واحد ، وهذا خلاف ما يعرفه كل أحد بالبديهة ، وخلاف ما يفيده تتبع الأحاديث ، وخلاف ما أول به علماؤنا جمع السفر من الجمع فعلًا ، فإنه لا يكون إلا بتأخير الصلاة الأولى إلى آخر الوقت ، فلزم كونها في الوقت الغير المعتاد ثم هو مشكل بجمع عرفة أيضًا ، وحينئذٍ فلا بد من القول بخصوص هذا الكلام بذلك السفر مثلًا ، ويبقى بعد جمع عرفة فيقال لعله ما حضر ذلك الجمع فما رأى فلا ينافي قوله ما رأيت. أو يقال لعله ما رأى صلاة خارجة عن الوقت المعتاد غير هاتين الصلاتين ، فأخبر حسب ما رأى ولا اعتراض عليه ولا حجة للقائلين بنفي الجمع. والأحسن منه ما يشير إليه كلام البعض وهو أن المراد بقوله ما رأيته صلى صلاة لغير وقتها أي بقصد تحويلها عن وقتها المعتاد ، وتقريرها في غيره لما سيجيء في الكتاب من قوله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:"إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان"، وهذا معنى وجيه لا يرد عليه شيء إلا الجمع بعرفة. ولعله كان يرى ذلك للسفر والله تعالى أعلم.