بلاده عن تناول تلك الأمم إياها وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناء كثيرا حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخر منحوت في ناحية جرجان مدن وحصون وآكام وبنيان كثير ليكون حرزا لأهل بلاده يلجأون إليها من عدو إن دهمهم
وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم وأعزهم وأكثرهم جنودا وهو الذي قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم فقتل وزر ملكها وعامة جنوده وغنم أموالهم واحتوى على بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها وإنه استمال أبخز وبنجر وبلنجر فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم وإنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول وأرسل إلى كسرى في توعد منه إياه واستطالة عليه أن يبعث إليه بأموال وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي يكانوا يعطونه إياه قبل ملك كسرى وأنه إن لم يعجل بالبعثة إليه بما سأل وطىء بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كن ناحية باب صول ومناعة السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسى آلاف مقاتل من الفرسان والرجالة
فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو للحصون التي كان أمر كسرى فبنيت حواليها أن يشنوها بغارة ويغلبوا عليها وكان كسرى أنو شروان قد عرف الناس منه فضلا في رأيه وعلمه وعقله وبأسه وحزمه مع رأفته ورحمته بهم فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له فلما قضوا مقالتهم قام خطيبا فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم وتوكله بتدبير أمورهم وتقدير الأقوات والمعايش لهم ولم يدع شيئا إلا ذكره في خطبته ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم وامحاء دينهم وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه وحث الناس على معاونته ثم
أمر برؤوس المزدكية فضربت أعناقهم وقسمت أموالهم في أهل الحاجة وقتل جماعة كثيرة ممن كان دعل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى أهلها وأمر بكل مولود اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه وأن يعطى نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها وبرضى أهلها ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين تزويج من غره إلا أن يكون كان لها زوج أول فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فكتبوا له فأنكح بناتهم الأكفاء وجعل جهازهم من بيت المال وأنكح شبانهم من بيوتات الأشراف وساق عنهم وأغناهم وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة وأمر بكرى الأنهار وحفر القني وإسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة كسرت أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح وتفقد الأساورة فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة وأجرى لهم ما يقويهم ووكل ببيوت النيران وسهل سبل الناس وبنى في الطرق القصور والحصون وتخير