والرحمة والليان يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم له عساكر مثل قطع السحاب ومراكب أمثال العجاج كأن خفيق راياته طيران النسور وكأن حملة فرسانه كرير العقبان
ثم أوحى الله عز و جل إلى إرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث أهل بابل فهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام فلما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فقال ملعون يوم ولدت فيه ويوم لقنت فيه التوراة ومن شر ايامي يوم ولدت فيه فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو شر علي لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك
فلما سمع الله عز و جل تضرع الخضر وبكاءه وكيف يقول ناداه يا إرميا أشق عليك ما أوحيت لك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه وطابت نفسه وقال لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا
ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره بما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا وإن عفا عنا فبقدرته
ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها فقال لهم ملكهم يا بني إسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله وقبل أن يبعث الله عليكم قوما لا رحمة لهم بكم فإن ربكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير رحيم بمن تاب إليه فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه وإن الله ألقى في قلب بختنصر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ بن عابر ونمروذ صاحب إبراهيم عليه السلام الذي حاجه في ربه أن يسير إلى بيت المقدس ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم فأرسل الملك إلى إرميا فجاءه فقال يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك ألا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك فقال إرميا للملك إن ربي لا يخلف الميعاد وأنا به واثق
فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله تعالى على هلاكهم بعث الله عز و جل ملكا من عنده فقال له اذهب إلى إرميا واستفته وأمره بالذي يستفتيه فيه فأقبل الملك إلى إرميا وقد تمثل له رجلا من بني إسرائيل فقال له إرميا من أنت قال أنا رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري فأذن له فقال له الملك يا نبي الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم بما أمرني الله به لم آت إليهم إلا حسنا ولم آلهم كرامة فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي فأفتني فيهم يا نبي الله فقال له أحسن فيما بينك وبين الله وصل ما أمرك الله أن تصل وأبشر بخير قال فانصرف عنه الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه فقعد بين يديه فقال له إرميا من أنت قال أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي فقال له نبي الله أو ما طهرت لك أخلاقهم بعد ولم تر منهم الذي تحب قال يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه