وروى أبو سعيد بن الأعرابي في"شرف الفقر"، وابن السمعاني في"أماليه"عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يَدُ الله وَكَنَفُهُ عَلى هَذه الأُمةِ مَا لَمْ تَعْمَلْ بِثَلاثٍ: مَا لَمْ يُوَقِّرْ أَبْرَارُهَا فُجارَهَا، وَيمِلْ قُرَّاؤُهَا إِلى أُمَرَائِهَا، ويعَظِّمْ خِيَارُهَا شِرَارَهَا،"
فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ أَخَذَهُمُ اللهُ عز وجل بِالذُلِّ، وَابْتَلاهُمْ بِالفَقْرِ، وَسَلَّطَ عَليِهِمْ جَبَابِرَتَهُمْ يَسُوْمُوْنهمْ سُوْءَ العَذَابِ"."
قلتُ: ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [سورة البقرة: 120] .
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} [سورة الرعد: 37] .
فقد أخبر سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو أبو الأبرار، وخير الأخيار - أنه إنْ مال إلى أهواء الفجار تخلى عنه فلا يقيه، ولا ينصره ولا يواليه، وإنما خاطب بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان المراد بمثل ذلك غيره من الأمة؛ لأن ذلك أبلغ في زجر الأمة عن متابعة الفجار، وإنما يقع التعميم في الوعيد بين الأخيار والأشرار إذا وَقَّرَ الأخيار الأشرار، وعظموهم، ومالوا إليهم، لأنهم تساووا حينئذ في الظلم المستتبع للعذاب؛ لأن الميل إلى الظالم وتوقيره محبة لظلمه، ورضى به، والراضي بالظلم ظالم كما قال الله تعالى في الآية الأخرى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة: 145] .
وقال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [سورة هود: 113] .
روى ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما: أنه قال في الآية:
{وَلَا تَرْكَنُوا} : لا تميلوا.