(فَلا بَرِحَتْ عَيْنِي تَنُوبُ عَنِ الْحَيَا ... بِدَمْعٍ عَلَى تِلْكَ الْمَنَاهِلِ مُنْهَلِ)
(لَيَالِي لا رَوْضَ الْكَثِيبِ بِلا نَدَى ... وَلا شَجَرَاتِ الأَبْرَقَيْنِ بلا طل)
السجع عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}
سُبْحَانَ مَنْ قَضَى عَلَى الْغَافِلِينَ كَسَلا وَقُعُودًا، وَرَفَعَ الْمُتَّقِينَ عُلُوًّا وَصُعُودًا وَمَنَحَهُمْ مِنْ إِنْعَامِهِ فَوْزًا وَسُعُودًا بِمَطْلُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فَأَعْطَاهُمْ، وَاسْتَخْلَصَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَقَلِيلٌ مَا هم، اشْتَغَلَ النَّاسُ بِدُنْيَاهُمْ وَاشْتَغَلُوا بِذِكْرِ مَحْبُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
قَنَعُوا بِأَدْوَنِ الْمَطْعَمِ وَاللِّبَاسِ، وَأَلْقَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ كَالأَحْلاسِ، يَمْشُونَ بِالسَّكِينَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَا دَرَوْا بِهِمْ فِي دُرُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
اكْتَفَوْا مِنَ اللَّيْلِ بِيَسِيرِ النَّوْمِ، وَاشْتَغَلُوا بِالصَّلاةِ وَبِالصَّوْمِ، وَكَانَتْ وَاللَّهِ هِمَمُ الْقَوْمِ فِي صَلاحِ قُلُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
تَنَاوَلُوا لُقَمَ التَّرْتِيلِ وَقَالُوا: هَذِهِ لِلْجُوعِ تُزِيلُ، فَهُمْ يَقْنَعُونَ بِالْقَلِيلِ فِي مَطْعُومِهِمْ وَمَشْرُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
قَامُوا قِيَامَ الْمُسْتَعِدِّ، وَوَرَدُوا بَحْرَ الْجُودِ الْعِدِّ، وَتَسَلَّحُوا سِلاحَ الْعَزْمِ وَالْجِدِّ فِي جَمِيعِ حُرُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
لَبِسُوا ثِيَابَ السَّفَرِ، وَرَحَلُوا عَلَى أَكْوَارِ السَّهَرِ، فَلَوْ سَمِعْتَ وَقْتَ السَّحَرِ تَرَنُّمَ طُرُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}
تناولوا كؤوس الدَّمْعِ يَتَجَرَّعُونَ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي طَرِيقِ الْخُضُوعِ يَتَضَرَّعُونَ وَالْقَوْمُ يَقْلَقُونَ وَيَضَّرَّعُونَ فِي سَتْرِ عُيُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .