يَسْتَغِيثُونَ إِلَى الْحَقِّ وَيَشْكُونَ، وَالْيَتَامَى فِي الذُّلِّ يَحُكُّونَ، وَجُمْلَةُ الأَمْرِ أَنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَى قُبْحِ مَكْتُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
يَعْتَذِرُونَ مِنْ زَلَلِ الْقَدَمِ، وَيَتَمَنَّوْنَ بَعْدَ الْوُجُودِ الْعَدَم، وَقَدْ بَعَثُوا رِسَالَةَ النَّدَمِ مَعَ مَنْدُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
قَلَّبَتْهُمُ الأَشْجَانُ، وَغَيَّرَتْهُمُ الأَحْزَانُ، يَنْزَعِجُونَ لِمَا قَدْ كَانَ مِنْ سَالِفِ ذُنُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
أَمَّا اللَّيْلُ فَسَهَارَى، وَأَمَّا النَّهَارُ فَأُسَارَى، وَكَأَنَّهُمْ بِالْمَحَبَّةِ سُكَارَى فِي شُرُوقِهِمْ وَغُرُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
لَوْ أَصْغَيْتَ فِي الدُّجَى وَاسْتَمَعْتَ، وَأَحْضَرْتَ قَلْبَكَ عِنْدَهُمْ وَجَمَّمْتَ، وَهَيْهَاتَ لَيْتَكَ اطَّلَعْتَ عَلَى بَعْضِ كُرُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
كَانَتْ رَقْدَةٌ ثُمَّ بَقِيَتِ النِّيَاحَةُ، فَانْتَقَلُوا مِنْ حَضْرَةِ الْحَظَرِ إِلَى الإِبَاحَةِ، وَاسْتَبْدَلُوا بِالرِّيَاضَةِ الرَّاحَةَ، فَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ لِجُدُوبِهِمْ {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
(فصل عادات أهل اليقظة عبادة)
تأملت على أكثر الناس عباداتهم فإذا هي عادات.
فأما أرباب اليقظة فعاداتهم عبادة حقيقية.
فإن الغافل يقول سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق، فيحركه الفكر في ذلك فيقول: سبحان الله.
ولو أن إنسان تفكر في رمانة، فنظر في تصفيف حبها وحفظه بالأغشية لئلا يتضاءل، وإقامة الماء على عظم العجم، وجعل الغشاء عليه يحفظه، وتصوير الفرخ في بطن البيضة، والآدمي في حشا الأم، إلى غير ذلك من المخلوقات، أزعجه هذا الفكر إلى تعظيم الخالق، فقال: سبحان الله، وكان هذا التسبيح ثمرة الفكر؛ فهذا تسبيح المتيقظين.
وما تزال أفكارهم تجول فتقع عباداتهم بالتسبيحات محققة، وكذلك يتفكرون في قبائح ذنوب قد تقدمت فيوجب ذلك الفكر وقلق القلب وندم النفس، فيثمر ذلك أن يقول قائلهم: أستغفر الله.
فهذا هو التسبيخ والاستغفار.
فأما الغافلون فيقولون ذلك عادة وشتان ما بين الفريقين.