فهاهُنَا خَمْسَة أمور الْفِكر وثمرته الْعلم وثمرتهما الْحَالة الَّتِي تحدث للقلب وَثَمَرَة ذَلِك الإرادة وثمرتها الْعلم فالفكر إِذا هُوَ المبدأ والمفتاح لِلْخَيْرَاتِ كلهَا وَهَذَا يكْشف لَك عَن فضل التفكر وشرفه وأنه من أفضل أعمال الْقلب وانفعها لَهُ حَتَّى قيل تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سنة فالفكر هُوَ الَّذِي ينْقل من موت الفطنة إلى حَيَاة الْيَقَظَة وَمن المكاره إلى المحاب وَمن الرَّغْبَة والحرص إلى الزّهْد والقناعة، وَمن سجن الدُّنْيَا إلى فضاء الآخرة، وَمن ضيق الْجَهْل إلى سَعَة الْعلم ورحبه، وَمن مرض الشَّهْوَة والإخلاد إلى هَذِه الدَّار إلى شِفَاء الإنابة إلى الله والتجافي عَن دَار الْغرُور، وَمن مُصِيبَة الْعَمى والصمم والبكم إلى نعْمَة الْبَصَر والسمع والفهم عَن الله وَالْعقل عَنهُ، وَمن أمراض الشُّبُهَات إلى برد الْيَقِين وثلج الصُّدُور.
وَبِالْجُمْلَةِ فَأصل كل طَاعَة إِنَّمَا هِيَ الْفِكر وَكَذَلِكَ أصل كل مَعْصِيّة إِنَّمَا يحدث من جَانب الفكرة فَإِن الشَّيْطَان يُصَادف أرْض الْقلب خَالِيَة فارغة فيبذر فِيهَا حب الأفكار الردية فيتولد مِنْهُ الأرادات والعزوم فيتولد مِنْهَا الْعَمَل فَإِذا صَادف أرْض الْقلب مَشْغُولَة ببذر الأفكار النافعة فِيمَا خلق لَهُ وَفِيمَا أمر بِهِ وفيم هيئ لَهُ وَاعد لَهُ من النَّعيم الْمُقِيم أو الْعَذَاب الاليم لم يجد لبذره موضعا وَهَذَا كَمَا قيل:
أتاني هَواهَا قبل أن اعرف الْهوى ... فصادف قلبا فَارغًا فتمكنا انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...