وما الحياة الدنيا التي نعيشها ونستمتع بها باللذات الجسدية من طعام وشراب والمعنوية من جاه ومنصب وسمو إلا كالمتاع المشترى بخداع وتغرير، ثم يتبين فساده ورداءته لأن صاحبها دائما مغرور مخدوع بها، أو لأنها حقيرة متروكة فانية زائلة، كما قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى [الأعلى 87/ 16 - 17] وقال: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها،
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
[القصص 28/ 60]
(وفي الحديث: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» .
وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة، قال سعيد بن جبير: «إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ» . فمن فضل الدنيا على الآخرة، كان كمن اشترى صفقة خاسرة، غشه فيها البائع ودلس عليه، ثم تبين له فسادها ورداءتها.
ثم أراد تعالى بعد غزوة أحد توطين النفس وتربيتها على تحمل الأهوال والشدائد والمصائب، فخاطب النبي المصطفى صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين مخبرا إياهم: أن الدنيا دار ابتلاء واختبار في الأنفس والأموال ففي الأنفس: بالقتل والأسر والجراح وأنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال: بالإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات، وهي مثل قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة 2/ 155] .
وأن المسلمين ونبيهم يسمعون ما يؤذيهم أذى كثيرا من اليهود والنصارى ومشركي العرب، والأذى قد يتناول الدين والقرآن والنبي صلّى الله عليه وسلّم. ولكن الله تعالى قال للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليا لهم عما ينالهم من الأذى من هؤلاء، وواصفا لهم العلاج الناجع وهو الصفح والصبر والعفو والتزام تقوى الله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، فإن تحقق منهم ذلك آتاهم أجرين من رحمته لأن الصبر والتقوى من معزومات الأمور، أي التي ينبغي أن يعزمها كل أحد.
فقه الحياة أو الأحكام: