وسوء تصور اليهود للحقيقة الإلهية شائع في كتبهم المحرفة. ولكن هذه تبلغ مبلغاً عظيماً من سوء التصور ومن سوء الأدب معاً .. ومن ثم يستحقون هذا التهديد المتلاحق:
«سَنَكْتُبُ ما قالُوا» ..
لنحاسبهم عليه، فما هو بمتروك ولا منسي ولا مهمل .. وإلى جانبه تسجيل آثامهم السابقة - وهي آثام جنسهم وأجيالهم متضامنة فيه - فكلهم جبلة واحدة في المعصية والإثم:
«وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» ..
وقد حفظ تاريخ بني إسرائيل سلسلة أثيمة في قتل الأنبياء، آخرها محاولتهم قتل المسيح عليه السلام .. وهم يزعمون أنهم قتلوه، متباهين بهذا الجرم العظيم .. !
«وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» ..
والنص على «الْحَرِيقِ» هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه. ولتجسيم مشهد العذاب بهوله وتأججه وضرامه .. جزاء على الفعلة الشنيعة: قتل الأنبياء بغير حق. وجزاء على القولة الشنيعة: إن الله فقير ونحن أغنياء.
182 - «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ» ..
جزاء وفاقاً، لا ظلم فيه، ولا قسوة:
«وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ..
والتعبير بالعبيد هنا، إبراز لحقيقة وضعهم - وهم عبيد من العبيد - بالقياس إلى لله تعالى. وهو يزيد في شناعة الجرم، وفظاعة سوء الأدب. الذي يتجلى في قول العبيد: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ» والذي يتجلى كذلك في قتل الأنبياء ..
هؤلاء الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، والذين قتلوا الأنبياء .. هم الذين يزعمون أنهم لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لأن الله عهد إليهم - بزعمهم - ألا يؤمنوا لرسول، حتى يأتيهم بقربان يقدمونه، فتقع المعجزة، وتهبط نار تأكله، على نحو ما كانت معجزة بعض أنبياء بني إسرائيل. وما دام محمد لم يقدم لهم هذه المعجزة فهم على عهد مع الله!! 183 - هنا يجبههم القرآن بواقعهم التاريخي .. لقد قتلوا هؤلاء الأنبياء الذين جاءوهم بالخوارق التي طلبوها وجاءوهم بآيات الله بينات:
«الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ، حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ. قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟» .