أَيْ لَا تَظُنَّ يَا مُحَمَّدُ أَوْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ أَنَّهُمْ بِمَنْجَاةٍ مِنَ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ ، أَيْ مُتَلَبِّسُونَ بِالْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ مِنْهُ ، وَهُوَ الْعَذَابُ الَّذِي يُصِيبُ الْأُمَمَ الَّتِي فَسَدَتْ أَخْلَاقُهَا ، وَسَاءَتْ أَعْمَالُهَا ، وَكَابَرَتِ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ ، وَأَلِفَتِ الْفَسَادَ وَالظُّلْمَ ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَذَابٌ هُوَ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ اجْتِمَاعِيٌّ لِلْحَالِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْمُبْطِلُونَ بِحَسَبِ سُنَّةِ اللهِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ ، وَهُوَ خُذْلَانُ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالْإِفْسَادِ ، وَانْكِسَارُهُمْ ، وَذَهَابُ اسْتِقْلَالِهِمْ بِنَصْرِ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَالْعَدْلِ عَلَيْهِمْ ، وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ رِقَابِهِمْ ، وَدِيَارِهِمْ ، وَأَمْوَالِهِمْ ، لِيَحُلَّ الْإِصْلَاحُ مَحَلَّ الْإِفْسَادِ ، وَالْعَدْلُ مَكَانَ الظُّلْمِ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ
أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [11: 102] وَعَذَابٌ لَا يَكُونُ أَثَرًا طَبِيعِيًّا ، بَلْ يُسَمَّى سُخْطًا سَمَاوِيًّا كَالزِّلْزَالِ ، وَالْخَسْفِ ، وَالطُّوفَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَائِحِ الْمُدَمِّرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِبَعْضِ أَقْوَامِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ ، وَكَذَّبُوهُمْ ، وَآذَوْهُمْ ، فَكَانَ اللهُ يُوَفِّقُ بَيْنَ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْعَذَابِ الْمُعْتَادَةِ ، وَأَقْدَارِهَا فَيُنْزِلُهَا بِالْقَوْمِ عِنْدَ اشْتِدَادِ عُتُوِّهِمْ ، وَإِيذَائِهِمْ لِرَسُولِهِ فَيَكُونُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَنَحْوِهَا إِنْ أَحْيَانَا اللهُ - تَعَالَى - وَأَمَدَّنَا بِتَوْفِيقِهِ .