وَتُخْضِعُ الْعَامَّةَ لَهُمْ ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا دَائِمًا بِأَنَّهُمْ أَنْصَارُ الدِّينِ ، وَحُمَاتُهُ ، وَمُبَيِّنُو الشَّرْعِ وَدُعَاتُهُ ، وَإِنْ نَبَذُوا كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَتَوَجَّهُوا إِلَى كُتُبِ أَمْثَالِهِمْ ، وَأَشْبَاهِمْ ، وَكَانَتِ الْأُمَّةُ لَا تَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا شَقَاءً بِهِمْ ، حَتَّى سَبَقَتْهَا الْأُمَمُ كُلُّهَا بِسُوءِ سِيَاسَتِهِمْ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْكِتَابَ كَمَا أُمِرُوا بِالْبَيَانِ لَهُ ، وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَإِلْزَامِ الْحُكَّامِ بِهَدْيِهِ لَمَا عَمَّ الْفِسْقُ ، وَالْفُجُورُ ، وَصَارَتِ الشُّعُوبُ الْإِسْلَامِيَّةُ دُونَ سَائِرِ الشُّعُوبِ حَتَّى ذَهَبَتْ سُلْطَتُهَا ، وَتَقَلَّصَ ظِلُّهَا عَنْ أَكْثَرِ الْمَمَالِكِ الَّتِي كَانَتْ خَاضِعَةً لَهَا ، وَهِيَ تَتَوَقَّعُ نُزُولَ الْخَطَرِ بِالْبَاقِي وَهُوَ أَقَلُّهَا .
وَقَدْ كَانَ الْأُمَرَاءُ وَالسَّلَاطِينُ فَمَنْ دُونَهُمْ مِنْ كُبَرَاءِ الْحُكَّامِ هُمُ الَّذِينَ يَخْطُبُونَ وُدَّ الْعُلَمَاءِ ، وَالْمُتَصَوِّفَةِ ، وَيَسْتَمِيلُونَهُمْ إِلَيْهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَزَّزُونَ ، فَيَسْتَجِيبُ لِلرُّقْيَةِ بَعْضُهُمْ ، وَيَعْتَصِمُ بِالْإِبَاءِ ، وَالتَّقْوَى آخَرُونَ ; ثُمَّ انْعَكَسَتِ الْحَالُ ، وَضَعُفَ سُلْطَانُ التَّقْوَى أَمَامَ سُلْطَانِ الْجَاهِ ، وَالْمَالِ ، فَصَارَ رِجَالُ الدِّينِ هُمُ الَّذِينَ يَتَهَافَتُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ ، فَيُقَرَّبُ الْمُنَافِقُونَ ، وَيُؤْذَى الْمُحِقُّونَ الْمُتَّقُونَ ، وَتَكُونُ مَرَاتِبُ الْآخَرِينَ عَلَى نِسْبَةِ قُرْبِهِمْ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ .