فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يَعْنِي إِنْ تَصْبِرُوا عَلَى الْبَلَاءِ الْكَبِيرِ الَّذِي سَيَحِلُّ بِكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَعَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنَ الْأَذَى ، وَتَتَّقُوا مَا يَجِبُ اتِّقَاؤُهُ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ ، وَمُكَافَحَتِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى مِنْ مَعْزُومَاتِ الْأُمُورِ
أَيِ الْأُمُورُ الَّتِي يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا ، أَوْ مِمَّا عَزَمَ اللهُ أَنْ يَكُونَ ; أَيْ مِنْ عَزَمَاتِ قَضَائِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا .
وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا عَلِمَ ضَعْفَ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِنْحَاصَ ، وَقَدْ سَرَدْنَا الرِّوَايَةَ مِنْ عَهْدٍ قَرِيبٍ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً ، وَمَا سَبَقَهَا مِنَ التَّمْهِيدِ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ - وَإِنْ حَسَّنَهَا مَنْ رَوَاهَا - وَيُرَجِّحُ مَا اخْتَرْنَاهُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مِنْ كَوْنِهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ لَا فِي الْكَافِرِينَ . وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فِيمَا كَانَ يَهْجُو بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ ، وَهَذِهِ أَضْعَفُ مِنَ
الْأُولَى ، فَإِنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ قُتِلَ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ ، وَكَفَى اللهُ الْمُسْلِمِينَ كَيْدَهُ وَقَوْلَهُ .