الثانية: هل هذا الفعل يعد من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - أم هو تشريع لجميع الأمة؟.
وفي حديث عمر بن أبي سلمة الجواب على هذا حيث: سأل النبي - صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"سل هذه"أي: أم سلمة، فأخبرته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أما إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية".
قال النووي: إنه ظن أن جواز التقبيل للصائم من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا حرج عليه فيما يفعل، لأن الله مغفور له، فأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه هذه المقولة، وفي بعض الروايات خارج مسلم أنه غضب من هذه المقولة لذلك قال: أنا أتقاكم لله تعالى وأشدكم له خشية، فكيف تظنون بي أو تجوزون علي ارتكاب منهي عنه ونحوه.
ولكن قد يستشكل البعض أنه قد ورد في بعض طرق الحديث عن عائشة قالت:"وكان أملككم لإربه"فكيف يكون هذا لجميع الأمة، ولا يعد من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -.
أجاب النووي على هذا الإشكال فقال: قال العلماء معنى كلام عائشة أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - في استباحتها لأنه كان يملك
نفسه، ويأمن من الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك.
وقال الحافظ ابن حجر: أشارت عائشة بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكًا لنفسه دون من لا يأمن من الوقوع فيما يحرم، ويبدو أنها كانت تعتقد أن هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو اجتهاد منها؛ في حين أنه ثابت عنها في روايات أخرى إباحة ذلك، فيمكن الجمع بين القولين: على أن النهي هنا يحمل على الكراهة التنزيهية.
الثالثة: هل هناك فرق بين الذي تتحرك شهوته وبين الذي لا تتحرك شهوته، أم لا؟
والجواب عن هذا جلي جدًّا في كلام ابن عبد البر السابق: حيث ذكر أن من كرهها ومنع منها كرهها خوفا من الشهوة وهو مقتضى قول عائشة وكان أملككم لإربه.