وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: لَوْ كَانُوا مَنْسُوبِينَ إِلَى عِبَادَةِ الرَّبِّ لَكَانُوا «رَبِّيُّونَ» بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَلَكِنَّهُ الْعُلَمَاءُ وَالْأُلُوفُ، وَالرِّبِّيُّونَ عِنْدَنَا: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ، وَاحِدُهُمْ رِبِّيُّ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتُلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) قَالَ: «عُلَمَاءُ كَثِيرٌ»
عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قَالَ جَعْفَرٌ: «عُلَمَاءُ صَبَرُوا» ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «أَتْقِيَاءُ صَبَرُوا»
وَقَالَ آخَرُونَ: الرِّبِّيُّونَ: الْأَتْبَاعُ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الرِّبِّيُّونَ: الْأَتْبَاعُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ: الْوُلَاةُ، وَالرِّبِّيُّونَ: الرَّعِيَّةُ، وَبِهَذَا عَاتَبَهُمُ اللَّهُ حِينَ انْهَزَمُوا عَنْهُ، حِينَ صَاحَ الشَّيْطَانُ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، قَالَ: كَانَتِ الْهَزِيمَةُ عِنْدَ صِيَاحِهِ فِي سَنِينَةٍ صَاحَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتِلَ، فَارْجِعُوا إِلَى عَشَائِرِكُمْ يُؤَمِّنُوكُمْ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَمَا عَجَزُوا لِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ الَّذِي نَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا لَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَنْ حَرْبِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَلَا نَكَلُوا عَنْ جِهَادِهِمْ.
{وَمَا ضَعُفُوا}
يَقُولُ: وَمَا ضَعُفَتْ قُوَاهُمْ لَقَتْلِ نَبِيِّهِمْ.
{وَمَا اسْتَكَانُوا}
يَعْنِي: وَمَا ذَلُّوا فَيَتَخَشَّعُوا لِعَدُوِّهِمْ بِالدُّخُولِ فِي دِينِهِمْ، وَمُدَاهَنَتِهِمْ فِيهِ، خِيفَةً مِنْهُمْ، وَلَكِنْ مَضَوْا قُدُمًا عَلَى بَصَائِرِهِمْ وَمِنْهَاجِ نَبِيِّهِمْ، صَبْرًا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ نَبِيِّهِمْ، وَطَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعًا لَتَنْزِيلِهِ وَوَحْيِهِ.
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}