الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} وَلِيَخْتَبِرَ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَبْتَلِيَهُمْ بِإِدَالَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُؤْمِنَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصَ الصَّحِيحَ الْإِيمَانِ مِنَ الْمُنَافِقِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: أَنَّهُ يُنْقِصُهُمْ وَيُفْنِيهِمْ، يُقَالُ مِنْهُ: مَحَقَ فُلَانٌ هَذَا الطَّعَامَ: إِذَا نَقَصَهُ أَوْ أَفْنَاهُ، يَمْحَقُهُ مَحْقًا، وَمِنْهُ قِيلَ لِمُحَاقِ الْقَمَرِ: مُحَاقٌ، وَذَلِكَ نُقْصَانُهُ وَفَنَاؤُهُ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} «أَيْ يُبْطِلَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، حَتَّى يُظْهِرَ مِنْهُمْ كُفْرَهُمُ الَّذِي يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْكُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: أَمْ حَسِبْتُمْ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَظَنَنْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَتَنَالُوا كَرَامَةَ رَبِّكُمْ، وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ عِنْدَهُ؛ {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ}
يَقُولُ: وَلَمَّا يَتَبَيَّنْ لِعِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ، الْمُجَاهِدُ مِنْكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ،
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَقَوْلُهُ: {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}
يَعْنِي الصَّابِرِينَ عِنْدَ الْبَأْسِ عَلَى مَا يَنَالُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ مِنْ جَرْحٍ وَأَلَمٍ وَمَكْرُوهٍ.