وَنَصَبَ {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} عَلَى الصَّرْفِ، وَالصَّرْفُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِعْلَانِ بِبَعْضِ حُرُوفِ النَّسَقِ، وَفِي أَوَّلِهِ مَا لَا يَحْسُنُ إِعَادَتُهُ مَعَ حَرْفِ النَّسَقِ، فَيُنْصَبُ الَّذِي بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ عَلَى الصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ مَعْنَى الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ يَكُونُ مَعَ جَحْدٍ أَوِ اسْتِفْهَامٍ أَوْ نَهْيٍ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَضِيقُ عَنْكَ؛ لِأَنَّ «لَا» الَّتِي مَعَ «يَسَعُنِي» لَا يَحْسُنُ إِعَادَتُهَا مَعَ قَوْلِهِ: «وَيَضِيقُ عَنْكَ» ، فَلِذَلِكَ نُصِبَ، وَالْقُرَّاءُ فِي هَذَا الْحَرْفِ عَلَى النَّصَبِ؛
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَيَعْلَمِ الصَّابِرِينَ) فَيَكْسِرُ الْمِيمَ مِنْ «يَعْلَمِ» ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْوِي جَزْمَهَا عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} وَلَقَدْ كُنْتُمْ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ يَعْنِي أَسْبَابَ الْمَوْتِ وَذَلِكَ الْقِتَالَ؛ {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} فَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَهُ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ {رَأَيْتُمُوهُ} ، عَائِدَةٌ عَلَى الْمَوْتِ، وَمَعْنَى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}
يَعْنِي: قَدْ رَأَيْتُمُوهُ بِمَرْأًى مِنْكُمْ وَمَنْظَرٍ: أَيْ بِقُرْبٍ مِنْكُمْ،