قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} أي وهو نارية تحل في القلب تظهر آثارها على الجوارح.
قوله: (الكافين على إمضائه مع القدرة) أي الكاتمين الغضب مع القدرة على العمل بمقتضاه بظواهرهم وبواطنهم، وكظم الغيظ من أعظم العبادة، ورد من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً،
إن قلت: ورد عن الشافعي أنه قال من استغضب ولم يغضب فهو حمار فمقتضاه أنه مذموم ومقتضى الآية أنه من المتقين؟
أجيب: بأن كلام الشافعي يحمل على إذا ما رأى حرمات الله تفعل ولم ينه عنها ولم يغضب لأجلها، وقد اتفق للإمام الحسن زمن خلافته وكان حليماً جداً أن رجلاً قدم عليه ليمتحنه فصار يسبه ويتكلم فيه وهو يبتسم، فقال له الرجل إن شتمتني واحدة شتمتك مائة، قال له الحسن إن شتمتني مائة ما شتمتك واحدة فوقع على قدمه وقبلها وقال أشهد أنك على خلق رسول الله.
قوله: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} عطف على الكاظمين من عطف العام على الخاص، لأن العفو أعم من أن يكون معه كظم غيظ أو لا، كما إذا سبه وهو غائب فبلغه ذلك فعفا عنه من غير أن يستفزه الغضب، واتفق للإمام زين العابدين أن جاريته كانت تصب عليه ماء الوضوء، فسقط الإبريق على رأسه فشج وجهه فرفع بصره لها فقالت له والكاظمين الغيظ، فقال كظمت غيظي، فقالت والعافين عن الناس فقال عفوت عنك، فقالت والله يحب المحسنين، فقال أنت حرة لوجه الله.
قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ} شروع في ذكر التوابين بعد أن ذكر المطهرين، وبقي قسم ثالث وهم الذين أصروا على المعاصي وماتوا من غير توبة فأمرهم مفوض الله إما أن يدخلهم الجنة من غير سابقة عذاب أو يعذبهم بقدر الجرم ثم يدخلهم الجنة خلافاً للمعتزلة حيث منعوا عن غفران الذنوب لهم.