وجملةُ {أعدّت للمتّقين} استئناف بياني لأنّ ذكر الجنَّة عقب ذكر النَّار الموصوفة بأنَّها أعدّت للكافرين يثير فِي نفوس السامعين أن يتعرّفوا مَن الذين أعدّت لهم: فإن أريد بالمتَّقين أكمل ما يتحقّق فيه التَّقوى ، فإعدادها لهم لأنَّهم أهلها فضلاً من الله تعالى الّذين لا يلجون النار أصلاً عدلاً من الله تعالى فيكون مقابلَ قوله: {واتقوا النار التي أُعدت للكافرين} [آل عمران: 131] ، ويكون عصاة المؤمنين غير التَّائبين قد أخذوا بحظّ من الدارين ، لمشابهة حالهم حالَ الفريقين عدلاً من الله وفضلاً ، وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه ، وأريد المتّقون فِي الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنَّهم مقدّرون من أهلها فِي العاقبة.
وقد أجرى على المتَّقين صفات ثناءٍ وتنويه ، هي ليست جماع التَّقوى ، ولكن اجتماعها فِي محلّها مؤذن بأنّ ذلك المحلّ الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى ، وتلك هي مقاومة الشحّ المُطاع ، والهوَى المتَّبع.
الصفة الأولى: الإنفاق فِي السَّراء والضّراء.
والإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعُدة فِي سبيل الله.
والسرّاء فَعْلاء ، اسم لمصدر سرّه سَرّاَ وسُروراً.
والضّراء كذلك من ضَرّه ، أي فِي حالي الاتّصاف بالفرح والحزن ، وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة فِي شأن غيرهم ، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة.
فملازمة الإنفاق فِي هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال ، الَّذي هو عزيز على النَّفس ، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة.
الصفة الثَّانية: الكاظمين الغيظ.