وروى الإمام أحمد، وغيره عن عمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا يَجِدُ الْعَبْدُ صَرِيْحَ الإِيْمانِ حَتَّىْ يُحِبَّ لِلَّهِ، وَيُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإِذا أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ"
اسْتَحَقَّ الْوِلايَةَ للهِ"."
وروى في كتاب"الزهد"عن أبي غالب رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم عليهما السلام: يا معشر الحواريين! تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالمقت لهم، والتمسوا رضاه بسخطهم، قالوا: يا نبي الله! فمن نجالس؟ قال: جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقُهُ، ومن يذكركم بالله رؤيته، ويزهدكم في الدنيا عمله.
وهذا - أيضاً - من جملة فوائد تأخير هذه الأمة عن الأمم؛ لأن الأمم لما سبرت واستوفيت قبل هذه الأمة، كان ذلك سبباً لكثرة الصالحين وغير الصالحين من المتقدمين، وكلما كثرت أحباب المؤمن من الصالحين ومباغيضه من غيرهم، كان حبه في الله وبغضه في الله أكثر وأعظم، فيزداد أجره، ويعظم ثوابه.
وأيضاً في اجتناب هذه الأمة لأحوال من تقدمهم ممن لا ترضى أفعالهم، ولا أحوالهم حجة بالغة لله تعالى على أولئك المتقدمين، فلله تعالى حق أكيد على هذه الأمة، بل على كل متأخر أن يجتنب ما ليس
مرضياً لله تعالى من أحوال كل متقدم عليه؛ ليكون ذلك إظهاراً لحجة الله تعالى على ذلك المتقدم، ونصرة لله سبحانه؛ عَمَلاً بقوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [سورة محمد: 7] .
وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [سورة الحج: 40] .
وتصديقاً له سبحانه في قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [سورة الأنعام: 89] .
ولقد استنصر الله تعالى على كل متول من هذه الأمة عن أمره، ومعرض عنه منهم بمن يأتي بعده ممن يقوم بأحكامه، ويراعي حق أمره، ونهيه بقوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [سورة محمد: 38] .