فالمؤمن حين يرى ما أعده الله له من النعيم المقيم يقابل عطاء الله باستشراف نفس وسرور وانبساط ، أما الذي يرى مقعده من النار فلا بد أن يكون مظلم الوجه. والحق سبحانه يوجه سؤالا لهؤلاء: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أو كأن هذا أمر يُفاجئ من كان يعرف هؤلاء الناس فِي الدنيا ؛ فقد رأوهم فِي الدنيا بيض الوجوه ، ولكن يرونهم يوم القيامة وعلى وجوههم غبرة سوداء وترهقهم قترة ، فيقولون لهم: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ؟. وكأن ذلك هو سمة من يكفر بعد الإيمان. هذه هي سمتهم وعلامتهم فِي الآخرة أي ما الذي صيركم إلى هذا اللون ؟ إنه الكفر بعد الإيمان.
فمن هم الذين كفروا بعد الإيمان ؟
هذا يعني أن الإيمان قد سبق ثم طرأ على الإيمان كفر ، وماتوا على ذلك الكفر ، وهذا قول ينطبق على الذين ارتدوا عن الإسلام مثل ابن الأسلت وغيره ، وهؤلاء كفروا بعد الإيمان. أو يكون {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يجعلنا نقول: البعدية هنا لا بد أن يكون لها قبلية: ألم يأخذ الله على خلقه عهدا فِي عالم الذر حين استخرجهم من ظهر آدم ؟ وقال سبحانه: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} إنه إقرار إيماني موجود فِي عالم الذّر ، فمن جاء فِي الواقع لينقض هذه المسألة فقد كفر بعد إيمان. أو أكفرتم بعد إيمانكم بمحمد ، بعد أن جاءتكم به البشارات التي عرفتموها ، وقرأتموها فِي التوراة والإنجيل ، وقد تأكدتم أنه قادم لا محالة ، وأنه رسول هذه الأمة وخاتم الرسل ، وانطبق عليكم قول الحق:
{فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]