إذن فهذا القول ، إما أن يكون فِي المرتدين ، وإما أن يكون الكفر فِي واقع الدنيا بعد الإيمان فِي عالم الذر عندما أخذ الله العهد على الناس جميعا ، أو يكون الكفر بعد الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءت به البشارات فِي التوراة والإنجيل ، أو يكون ذلك من أهل الأهواء الذين أخذوا الدين وجعلوه شيعا ، كالفرق التي خرجت عن الإسلام ، وهي تدعى الانتساب إليه كالبهائية والقاديانية وغيرها. إن الآية تحتمل كل هذا ، وعندما نمعن النظر إلى النص القرآني نجده يستوعب كل هذه المعاني.
وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه أورد فقط: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} وهذا قول يختص بالكفار فقط يذوقون العذاب بسبب الكفر ، وذلك يعني أن المؤمن بإيمانه سينال ثواب عمله. يقول تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
ولنلاحظ دائما أن الله حين يبين جزاءً لمؤمن على إيمانه وطاعته فسبحانه يقول مرة:
{أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42]
ومرة أخرى يقول:
{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 175]
ما الفرق بين الاثنين ؟ إن الناس فِي العبادة صنفان: منهم من يعبد الله ويريد نعيم الجنة ، فيعطيه الله الجنة جزاء لعبادته ولعمله الصالح. وآخر يعبد الله ؛ لأن الله يستحق العبادة ولا تمر الجنة على باله ، وهذا ينال ذات الرحمة ، إنه ينال لقاء وجه الله.
وما الفرق بين الجنة والرحمة ؟ إن الجنة مخلوقة لله ، فهي باقية بإبقاء الله لها ، ولكن الرحمة باقية ببقاء الله ، وهذا ضمان كاف ، فمن يرى الله فيه حسن العبادة لذاته - سبحانه - يضع الله فِي الرحمة.