فالجواب على ذلك أن هذا التقدير للمشركين من جانب المؤمنين كان تقديرا تقريبيا وليس تقديرا عدديا، فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين مثلين أو نقول: إن المراد بكلمة مثلين مجرد التكرار وليس المراد بها التثنية على الحقيقة، كما في قوله - تعالى - فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ، فالمراد تكرار النظر مرة ومرات وليس المراد التحديد بكرتين.
وقد رجح ابن جرير الطبري هذا الرأي، فقد قال بعد سرده لجملة من أقوال العلماء: وأولى هذه القراءات بالصواب: قراءة من قرأ يَرَوْنَهُمْ بمعنى: وأخرى كافرة يراهم المسلمون مثليهم، يعني: مثلي عدد المسلمين، لتقليل الله إياهم في أعينهم في حال. فكان حزرهم إياهم كذلك. ثم قال: وأما قوله: رَأْيَ الْعَيْنِ فإنه مصدر رأيته. يقال رأيته رأيا ورؤية، ويقال هو منى رأى العين، ورأى العين - بالنصب والرفع - يراد حيث يقع عليه بصرى .. فمعنى ذلك: يرونهم حيث تلحقهم أبصارهم وتراهم عيونهم مثليهم».
وقوله - تعالى - قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ .. إلخ من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير وتحقيق ما قبله. وكانَ هنا ناقصة، وآيَةٌ اسمها، وترك التأنيث في - كان - لوجود الفاصل بينها وبين اسمها. ولأن المرفوع بها وهو اسمها مجازى التأنيث أو باعتبار أن الآية برهان ودليل.
وقوله لَكُمْ خبر كان. وقوله فِئَةٌ خبر لمبتدأ محذوف أي. إحداهما فئة تقاتل في سبيل الله. وقوله وَأُخْرى نعت لمقدر أي وفئة أخرى كافرة. والجملة مستأنفة لتقرير «ما في الفئتين من الآية» ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ.