ولاشك أن الحرب تصور هذه العملية أدق تصوير، بل إن الحرب هي التي تُوَحّد كل فئةٍ فِي سبيل الحركةِ الواحدة والعمل الواحد للغاية الواحدة؛ لأن كل واحد من أي فئة لا يستطيع أن يحمي نفسه وحده، فكل واحد يفئ ويرجع إلى الجماعة، ولا يستطيع أن ينفصل عن جماعته. ولكن الفرد فِي حركة الحياة العادية يستطيع أن ينفصل عن جماعته.
إذن فكلمة {فِئَةٌ} تدل على جماعة من الناس فِي عملية واحدة، وتأتي الكلمة دائما فِي الحرب لتصور كل معسكر يواجه آخر. وحين يقول الحق: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} أي أن هناك صراعا بين فئتين، ويوضح الحق ماهية كل فئة فيقول: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} . وحين ندقق النظر فِي النص القرآني، نجد أن الحق لم يورد لنا وصف الفئة التي تقاتل فِي سبيل الله ولم يذكر أنها فئة مؤمنة، وأوضح أن الفئة الأخرى كافرة، وهذا يعني أنّ الفئة التي تقاتل فِي سبيل الله لابد أن تكون فئة مؤمنة، ولم يورد الحق أن الفئة الكافرة تقاتل فِي سبيل الشيطان اكتفاء بأن كفرها لابد أن يقودها إلى أن تقاتل فِي سبيل الشيطان.
لقد حذف الحق من وصف الفئة الأولى ما يدل عليه فِي وصف الفئة الثانية.
وعرفنا وصف الفئة التي تقاتل فِي سبيل الله من مقابلها فِي الآية وهي الفئة الأخرى.
فمقابل الكافرة مؤمنة، وعرفنا - أيضاً - أن الفئة الكافرة إنما تقاتل فِي سبيل الشيطان لمجرد معرفتنا أن الفئة الأولى المؤمنة تقاتل فِي سبيل الله. ويسمون ذلك فِي اللغة"احتباك". وهو أن تحذف من الأول نظير ما أثبت فِي الثاني، وتحذف من الثاني نظير ما أثبت فِي الأول، وذلك حتى لا تكرر القول، وحتى توضح الالتحام بين القتال فِي سبيل الله والإيمان، والقتال فِي سبيل الشيطان والكفر.