{وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من أن لو شهدوا على ظن ومخيلة.
ومعنى {وَأَقْوَمُ} أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج، وذلك أن المنتصب القائم يكون ضد المنحني المعوج، {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل.
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة في هذه الأشياء التي اقْتُصَّت وأمر فيها بالتوثقة بالإشهاد والارتهان، فلا جناح في ترك ذلك فيه؛ لأن ما يخاف في النَّسَاء والتأجيل يؤمن في البيع يدًا بيدٍ.
والكونُ هنا بمعنى: الوقوع والحدوث، كما بينا في قوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] .
وقال الفراء: وان شئت جعلت {تُدِيرُونَهَا} في موضع نصب، فيكون لـ (كان) مرفوع ومنصوب.
وعلى الوجه الأول تكون في موضع رفع كأنه قيل: إلا أن تقع تجارةٌ حاضرةٌ دائرة بينكم.
وقرأ عاصم {تِجَارَةً حَاضِرَةً} بالنصب، قال أبو إسحاق: المعنى: إلا أن تكون المداينةُ تجارةً حاضرةً.
قال أبو علي: لا يجوز أن يكون التداين اسم كان؛ لأن التداين معنى، والتجارة الحاضرة يراد بها العين، وحكم الاسم أن يكون الخبر في المعنى، والتداين حق في ذمة المستدين، للمدين المطالبة به، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان؛ لاختلاف التداين والتجارة الحاضرة، ولا يجوز أيضًا أن يكون اسمها (الحق) الذي في قوله: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} للمعنى الذي ذكرنا في التداين؛ لأن ذلك الحق دين فإذا لم يجز هذا، لم يخل اسم كان من أحد شيئين:
أحدهما: أن هذه الأشياء التي اقْتُصَّتْ من الإشهاد والإرتهان قد عُلِمَ من فحواها التبايع، فأضمر لدلالة الحال عليه، كما أضمر لدلالة الحال في ما حكى سيبويه من قولهم: إذا كان غدًا فأتني، وينشد على هذا: