يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَإِنْ تُضَارُّوا الْكَاتِبَ أَوِ الشَّاهِدَ وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، يَعْنِي: إِثْمٌ بِكُمْ وَمَعْصِيَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِنْ يُضَارَّ كَاتِبٌ فَيَكْتُبُ غَيْرَ الَّذِي أَمْلَى الْمُمْلِي، وَيُضَارَّ شَهِيدٌ فَيُحَوِّلُ شَهَادَتَهُ وَيُغَيِّرُهَا، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، يَعْنِي فَإِنَّهُ كَذِبٌ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} "الْفُسُوقُ: الْكَذِبُ، قَالَ: هَذَا فُسُوقٌ؛ لِأَنَّهُ كَذَبَ الْكَاتِبُ فَحَوَّلَ كِتَابَهُ فَكَذَبَ، وَكَذَبَ الشَّاهِدُ فَحَوَّلَ شَهَادَتَهُ، فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ كَذِبٌ"
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} إِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا يُضَارَّهُمَا الْمُسْتَكْتِبُ وَالْمُسْتَشْهِدُ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، فَقَوْلُهُ: {وَإِنْ تَفْعَلُوا} إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارُ مَنْ يُضَارُّهُمَا بِحُكْمِهِ فِيهِمَا، وَأَنَّ مَنْ يُضَارُّهُمَا فَقَدْ عَصَى رَبَّهُ وَأَثِمَ بِهِ، وَرَكِبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} وَخَافُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ أَنْ تُضَارُّوهُمْ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَنْ تُضَيِّعُوهُ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} وَيُبَيِّنُ لَكُمُ الْوَاجِبَ لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ، فَاعْمَلُوا بِهِ {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
يَعْنِي مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَغَيْرِهَا، يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ لِيُجَازِيَكُمْ بِهَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 5/}