ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال. إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.
فكذلك المجدد لدينه والمحصي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به. كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها.
وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد لا يمكن، في أول الأمر، أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن
الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط.
فتدبر هذا الأصل فإنه نافع"."
41 -قلت: ونحن مع شيخ الإسلام ابن تيمية في لزوم تدبر هذا الأصل، ووجوب التزامه في الدعوة في أيامنا هذه، فإن قوما ممن يتصدون للدعوة في هذه الأيام يرفضون هذا الأصل الملازم للشريعة والدعوة إليها، بحجة أن الدين قد كمل، وأنه من الواجب العمل به كله، غافلين، بل يجهلون طبائع النفس البشرية في نفورها من أصل التكليف، بله ثقله، فإذا جاءهم من يريد أن يسلم، أو من يريد أن يتعرف على الإسلام أكثروا عليه القول، حتى ينفر.
ومنهم - بتجربتي - من يبدأ، مع الغربيين، بمسائل من الشكل والفرعيات. ومنهم من يبدأ في تعريفهم بالإسلام، من الحدود ومنهم من يبدأ بالتعريف بتحريم الخمر والخنزير.
وقد قصدت قصدا إلى نقل عبارة الإمام ابن تيمية، لعلمي أنهم يقدسون قوله
تقديسا، ولا يردون له قولا، فها أنا أذكر قوله الواعي الناضج في فهم الشريعة والدعوة إليها على مدى الدهر، وكرّ الغداة ومر العشي، وهأنا أحدد مكانه تحديدا من مجلدات فتاواه.
والله يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم.