أَرْشَدَتْنَا آيَاتُ الْمَنَاسِكِ السَّابِقَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ الْعِبَادَاتِ هُوَ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى بِإِصْلَاحِ الْقُلُوبِ ، وَإِنَارَةُ الْأَرْوَاحِ بِنُورِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَاسْتِشْعَارِ عَظَمَتِهِ وَفَضْلِهِ ، وَإِلَى أَنَّ طَلَبَ الدُّنْيَا مِنَ الْوُجُوهِ الْحَسَنَةِ لَا يُنَافِي التَّقْوَى بَلْ يُعِينُ عَلَيْهَا بَلْ هُوَ مِمَّا يَهْدِي إِلَيْهِ الدِّينُ خِلَافًا لِأَهْلِ الْمِلَلِ السَّابِقَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ تَعْذِيبَ الْأَجْسَادِ وَحِرْمَانَهَا مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُهُ ، وَإِلَى أَنَّ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَجْعَلُ لَذَّاتِهَا أَكْبَرَ هَمِّهِ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ; لِأَنَّهُ مُخَلَّدٌ إِلَى حَضِيضِ الْبَهِيمِيَّةِ لَمْ تَسْتَنِرْ رُوحُهُ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَرْتَقِ عَقْلُهُ فِي مَعَارِجِ الْعِرْفَانِ . وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ التَّقْوَى وَمَنْزِلُهَا الْقُلُوبُ دُونَ الْأَلْسِنَةِ ، وَكَانَ الشَّاهِدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ الْأَعْمَالُ دُونَ مُجَرَّدِ الْأَقْوَالِ ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ النَّاسَ فِي دَلَالَةِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى حَقَائِقِ أَحْوَالِهِمْ وَمَكْنُونَاتِ قُلُوبِهِمْ قِسْمَانِ ، فَكَانَتْ هَذِهِ مُتَّصِلَةً بِتِلْكَ فِي بَيَانِ مَقْصِدِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِصْلَاحُ الْقُلُوبِ ، وَاخْتِلَافُ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمُوهُ مِنْهَا ، وَلِذَلِكَ عَطَفَهَا عَلَيْهَا فَقَالَ: