وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ إذَا رَأَى فِيهِ عَيْبًا أَصْلَحَهُ» .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إلَيْنَا مَسَاوِئَنَا.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: أَتُحِبُّ أَنْ تُهْدَى إلَيْك عُيُوبُك؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنْ نَاصِحٍ. وَمِمَّا يُقَارِبُ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: مَنْ تَرَى أَنْ نُوَلِّيَهُ حِمْصَ؟ فَقَالَ: رَجُلًا صَحِيحًا مِنْك، صَحِيحًا لَك. قَالَ: تَكُونُ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ. قَالَ: لَا تَنْتَفِعُ بِي مَعَ سُوءِ ظَنِّي بِك وَسُوءِ ظَنِّك بِي.
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ أَظْهَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ فَقَدْ زَكَّاهَا.
فَإِذَا قَطَعَ أَسْبَابَ الْكِبْرِ وَحَسَمَ مَوَادَّ الْعُجْبِ اعْتَاضَ بِالْكِبْرِ تَوَاضُعًا وَبِالْعُجْبِ تَوَدُّدًا.
وَذَلِكَ مِنْ أَوْكَدَ أَسْبَابِ الْكَرَامَةِ وَأَقْوَى مَوَادِّ النِّعَمِ وَأَبْلَغِ شَافِعٍ إلَى الْقُلُوبِ يَعْطِفُهَا إلَى الْمَحَبَّةِ وَيُثْنِيهَا عَنْ الْبُغْضِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ بَرِئَ مِنْ ثَلَاثٍ نَالَ ثَلَاثًا: مَنْ بَرِئَ مِنْ السَّرَفِ نَالَ الْعِزَّ. وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْبُخْلِ نَالَ الشَّرَفَ. وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْكِبْرِ نَالَ الْكَرَامَةَ.
وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ: التَّوَاضُعُ مَصَائِدُ الشَّرَفِ.
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ دَامَ تَوَاضُعُهُ كَثُرَ صَدِيقُهُ. وَقَدْ تُحْدِثُ الْمَنَازِلُ وَالْوِلَايَاتُ لِقَوْمٍ أَخْلَاقًا مَذْمُومَةً يُظْهِرُهَا سُوءُ طِبَاعِهِمْ، وَلِآخَرِينَ فَضَائِلَ مَحْمُودَةً يَبْعَثُ عَلَيْهَا زَكَاءُ شِيَمِهِمْ؛ لِأَنَّ تَقَلُّبَ الْأَحْوَالِ سَكَرَةٌ تُظْهِرُ مِنْ الْأَخْلَاقِ مَكْنُونَهَا، وَمِنْ السَّرَائِرِ مَخْزُونَهَا، لَا سِيَّمَا إذَا هَجَمَتْ مِنْ غَيْرِ تَدْرِيجٍ وَطَرَقَتْ مِنْ غَيْرِ تَأَهُّبٍ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ تُعْرَفُ جَوَاهِرُ الرِّجَالِ.