وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخُصَّصْ بِقَوْلِهِ مُخْبِرًا عَنْ قَائِلِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الْحَسَنَةِ شَيْئًا، وَلَا نَصَبَ عَلَى خُصُوصِهِ دَلَالَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ، فَالْوَاجِبُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْ مَعَانِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَأَنْ يُحْكَمَ بِعُمُومِهِ عَلَى مَا عَمَّهُ اللَّهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ النَّارِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَقَيْتُهُ كَذَا أَقِيهِ وِقَايَةً وَوَاقِيَةً وَوِقَاءً مَمْدُودًا، وَرُبَّمَا قَالُوا: وَقَاكَ اللَّهُ وَقْيًا: إِذَا دَفَعَتْ عَنْهُ أَذًى أَوْ مَكْرُوهًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} رَغْبَةً مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا عِنْدَهُ، وَعِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِهِ يُؤْتِيَهُ مَنْ يَشَاءُ. فَاعْلَمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُمُ نَصِيبًا، وَحَظًّا مِنْ حَجِّهِمْ، وَمَنَاسِكِهِمْ، وَثَوَابًا جَزِيلًا عَلَى عَمَلِهِمُ الَّذِي كَسَبُوهُ، وَبَاشَرُوا مُعَانَاتِهِ بِأَمْوَالِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ خَاصًّا ذَلِكَ لَهُمْ دُونَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ الَّذِينَ عَانُوا مَا عَانُوا مِنْ نَصَبِ أَعْمَالِهِمْ وَتَعَبِهَا، وَتَكَلَّفُوا مَا تَكَلَّفُوا مِنْ أَسْفَارِهِمْ بِغَيْرِ رَغْبَةٍ مِنْهُمْ فِيمَا عِنْدَ رَبِّهِمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلَكِنْ رَجَاءٌ خَسِيسٌ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَابْتِغَاءُ عَاجِلِ حُطَامِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّهُ مُحِيطٌ بِعَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا اللَّذَيْنِ مِنْ مَسْأَلَةِ أَحَدِهِمَا: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا؛ وَمَنْ مَسْأَلَةِ الْآخَرِ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ؛ فَمَحَصَّ لَهُ بِأَسْرَعِ الْحِسَابِ، ثُمَّ إِنَّهُ مُجَازٍ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَلَى عَمَلِهِ.