يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} فَإِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ حَيْثِ بَدَأْتُمْ. وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي يَضْرِبُ الْقِدَاحَ بَيْنَ الْأَيْسَارِ مُفِيضٌ، لِجَمْعِهِ الْقِدَاحَ، ثُمَّ إِفَاضَتِهِ إِيَّاهَا بَيْنَ الْيَاسِرِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أَبِي خَازِمٍ الْأَسَدِيِّ:
[البحر الطويل]
فَقُلْتُ لَهَا رُدِّي إِلَيْهِ جِنَانَهُ ... فَرَدَّتْ كَمَا رَدَّ الْمَنِيحَ مُفِيضُ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي عَرَفَاتٍ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا صُرِفَتْ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ، وَهَلْ هِيَ اسْمٌ لِبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ هِيَ لِجَمَاعَةِ بِقَاعٍ؟ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: هِيَ اسْمٌ كَانَ لِجَمَاعَةٍ مِثْلَ مُسْلِمَاتٍ وَمُؤْمِنَاتٍ، سُمِّيَتْ بِهِ بُقْعَةٌ وَاحِدَةٌ فَصُرِفَ لَمَّا سُمِّيَتْ بِهِ الْبُقْعَةُ الْوَاحِدَةُ، إِذْ كَانَ مَصْرُوفًا قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى بِهِ الْبُقْعَةُ تَرْكًا مِنْهُمْ لَهُ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّاءَ فِيهِ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ فِي مُسْلِمَيْنِ وَمُسْلِمُونَ لِأَنَّهُ تَذْكِيرُهُ، وَصَارَ التَّنْوِينُ بِمَنْزِلَةِ النُّونِ، فَلَمَّا سُمَيَّ بِهِ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ كَمَا يُتْرُكُ «الْمُسْلِمُونَ» إِذَا سُمَيَّ بِهِ عَلَى حَالِهِ قَالَ: وَمَنِ الْعَرَبِ مَنْ لَا يَصْرِفُهُ إِذَا سُمَيَّ بِهِ، وَيُشَبِّهُ التَّاءَ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ؛ وَذَلِكَ قَبِيحٌ ضَعِيفٌ. وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ ... وَأَهْلُهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُنَوِّنُ أَذْرِعَاتٍ، وَكَذَلِكَ عَانَاتٌ وَهُوَ مَكَانٌ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: إِنَّمَا انْصَرَفَتْ عَرَفَاتٌ لِأَنَّهُنَّ عَلَى جِمَاعِ مُؤَنَّثٍ بِالتَّاءِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جِمَاعِ مُؤَنَّثٍ بِالتَّاءِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ رَجُلًا أَوْ مَكَانًا أَوِ أَرْضًا أَوِ امْرَأَةً انْصَرَفَتْ. قَالَ: وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تُسَمِّي شَيْئًا مِنَ الْجِمَاعِ إِلَّا جِمَاعًا، ثُمَّ تَجْعَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاحِدًا.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: لَيْسَتْ عَرَفَاتٌ حِكَايَةً وَلَا هِيَ اسْمٌ مَنْقُولٌ؛ وَلَكِنَّ الْمَوْضِعَ مُسَمًّى هُوَ وَجَوَانِبُهُ بِعَرَفَاتٍ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهَا الْبُقْعَةُ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وَلَا يَنْفَرِدُ وَاحِدُهَا.