(الدنيا والآخرة(2)
بينَّا في المقالة الأول أن الإنسان مادي روحاني , وأن عوارض المادة تغلب
عليه أولاً فتكون عنايته مصروفة لتحصيل اللذات الجسدية والمنافع المادية التي
تجعله سعيدًا في حياته الدنيا , ثم يظهر فيه الميل إلى اللذات الروحية والمعارف
العقلية فتكون فيه ضعيفة تحتاج إلى تقويتها بالإرشاد السماوي وهو الدين.
ونقول الآن: إن العمل لتحصيل المنافع المادية له طرف نقص وطرف كمال
فالأول أن يعمل الإنسان لنفسه فقط ولا يبالي في سبيل لذته بسائر الناس أضرهم
عمله أم نفعهم , والثاني أن يعمل لنفسه ولغيره , ولهذا الكمال درجات أدناه أن
يعمل لمنفعة أهله وعشيرته , وأوسطها أن يعمل لمنفعة وطنه وأمته , وأعلاها أن
يكون مرمى طرفه منفعة أبناء جنسه والناس أجمعين , والمنافع الروحية العقلية
تنقسم أيضًا إلى هذه الأقسام والدرجات.
ما خلق الله الإنسان ليعنته , وما كلفه بأن يقلب طبيعته , خلق آدم وخلق
زوجه له ليسكن إليها , وأمرهما بأن يتمتعا باللذات الجسدية , ونهاهما عن الأكل
من شجرة واحدة؛ ليتعلما بذلك كف النفس عن الشهوات , فإن من لا يستطيع كف
نفسه عن شيء مما يشتهيه تورده موارد الهلكة وتقذف به في هاوية الشقاء.
قص الله علينا قصة أبينا آدم لنسترشد بها , ثم قال مخاطبًا لنا ممتنًّا علينا
بالمنافع الدنيوية: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ
التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (الأعراف: 26) فالأول ما
لا بد منه , والثاني للزينة , والثالث للتوقي من الحرب , فاستوفى أقسام اللباس كلها
ثم حذرنا من الفتنة التي نزعت عن أبوينا لباسهما وأظهرت سوآتهما , وأخبرنا
أنه أمر بالقسط والاعتدال في الأمور كلها , ثم أمرنا بالعبادة الروحية , فقال: قُلْ
أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (الأعراف: 29) الآية , ثم بين أن الزينة لا تنافي العبادة بل تجامعها وتلازمها ,