وأن العبادة لا تؤدي إلى ترك اللذات الحسية المعتدلة , بل تستعقبها وتنتهي إليها
فتكون ثمرة للدين في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى فقال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا
زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ
حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ
الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(الأعراف: 31 -
32)ولولا أنه قال: خالصة يوم القيامة؛ لفهم أن غير المؤمن لا حظ له في لذات
الدنيا , وقد كررنا التنبيه على هذا في المنار ليعقله الذين سجلوا على المسلمين
الحرمان من الطيبات لأنهم مؤمنون مسلمون , ولما كان الإفراط في اللذة والإسراف
في الزينة يؤديان إلى الفواحش والمآثم والبغي والتعدي أخبرنا أنه لا ينهانا من حيث
الدنيا إلا عن هذه الأشياء , كما أنه لا ينهانا من حيث الدين إلا عن الشرك , وأن
نقول على الله ما لا نعلم , ومنه أن نزيد في دين الله تعالى عبادة أو تحريمًا أو
تحليلاً فقال: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ
بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ
تَعْلَمُونَ (الأعراف: 33) .
هذه الآيات خطاب عام من الله جل ثناؤه لبني آدم أجمعين، فهي أصل الأديان
كلها , ولذلك عقبها بقوله: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي
فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا
عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (الأعراف: 35 - 36) ثم فصل
الوعيد والوعد ووصف العقوبة والمثوبة , وأقام الدليل والبرهان , واستلفت العقل
واستصرخ الوجدان , وأنشأ بعد هذا كله يقص على هذه الأمة أخبار الأمم مع