ثم يلي ذلك في العطاء:"أبناء السبيل"، وابن السبيل هو المسافر إلى بلد المتصدق، أو المارّ به، أُطلق عليه هذا الاسم لملازمته له حين التصدق عليه. ولا يدفع له من الزكاة، حتى يدّعي أنه لا مال معه وأنه محتاج. ويقدح في حاجته قدرته على الكسب - ويشترط في استحقاقه: أن يكون سفره مُباحًا. ويعطي لو كان له مال في بلده يصعب الحصول عليه وهو مغترب. ويمكن معرفة أحكام ابن السبيل تفصيلًا من كتب الفقه.
ثم يلي ذلك إعطاء السائلين. وهم الذين يسألون الناس، والسائل ينبغي إعطاؤُه إلا إذا تحققت أنه غير محتاج.
ثم يلي هؤلاء في العطاء، تحرير الأرقاء فقد شرعه الله - تعالى - للمسلمين، لينقذوا إخوانهم في الآدمية، من العبودية التي استحدثها الناس فيهم، مع أنه - تعالى - خلق الناس أحرارًا.
وقد حُثَّ على تحرير الرقيق، وشرعه في الكفارات، وجعل من خصالها عتق الرقاب - ودعا المسلمين إلى مساعدة المكاتبين من الأرقاء، وهم من كاتبهم مالكوهم على قدر معلوم، يؤدونه لهم، نظير عتقهم وتحريرهم، وقد أوصى الله المؤمنين بهذه العاطفة الكريمة، فقال: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ} .
وأَوجب سبحانه لتحرير الأرقاء نصيبًا في مصارف الزكاة.
ثم أَتبع ذلك ألوانًا أُخرى من البر، فقال:
{وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} : أي وفي أداء الصلوات بأركانها وشروطها.
{وَآتَى الزَّكَاةَ} : أي وفي إعطاء الزكاة المفروضة لمستحقيها.
أمَّا ما مرّ من إيتاء المال على حبه، فالمقصود منه: التنفل بالصدقات. قُدِّم على الفريضة، مبالغة في الحث عليه.
أو المراد بهما المفروضة: الأول: لبيان المصارف، والثاني: لبيان وجوب الأداءِ.
{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} :
أي: والبر في الموفين بعهدهم، إذا عاهدوا سواهم، فمن أبرز أنواع البر: الوفاءُ بالعهود، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} .