وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُنْسَخُ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ وَلَوْ خَبَرِ آحَادٍ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى الْحُكْمِ ظَنِّيَّةٌ فَكَأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَنْسَخْ إِلَّا حُكْمًا ظَنِّيًّا، وَفَاتَهُمْ أَنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ أَيْضًا ظَنِّيَّةٌ، فَكَأَنَّنَا نَنْسَخُ حُكْمًا ظَنِّيًّا إِسْنَادُهُ إِلَى الشَّارِعِ قَطْعِيٌّ بِحُكْمٍ ظَنِّيٍّ إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ غَيْرُ قَطْعِيٍّ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ، أَوْ قَالَهُ رَأْيًا لَا تَشْرِيعًا. وَلَمَّا كَانَ الْخِلَافُ هُنَا ضَعِيفًا جِدًّا احْتَاجَ الْقَائِلُونَ بِنَسْخِ حَدِيثِ (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) لِآيَةِ الْوَصِيَّةِ إِلَى زَعْمِ تَوَاتُرِهِ بِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَوَازِ وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ قَطْعًا.
وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ إِلَّا وَمَعَهَا كِتَابٌ يُؤَيِّدُهَا، وَالظَّاهِرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْكِتَابَ نَسَخَ الْكِتَابَ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا تَصْحِيحَ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالنَّسْخِ تَعْظِيمًا لَهُ أَنْ يُرَدَّ قَوْلُهُ، وَتَعْظِيمُ اللهِ تَعَالَى أَوْلَى،
ثُمَّ تَعْظِيمُ رَسُولِهِ يَتْلُو تَعْظِيمَهُ وَلَا يَبْلُغُهُ، وَإِنَّمَا يُطَاعُ الرَّسُولُ وَيُتَّبَعُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.