وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ نَاسِخَةٍ بَلْ بَيَّنَ أَنَّهَا مُفَسِّرَةٌ وَمُبَيِّنَةٌ (قَالَ الْأُسْتَاذُ) : وَلَا أَعْرِفُ لِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَالْأُصُولِيُّونَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِنَسْخِ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَإِنِ اشْتُهِرَ بِنَحْوِ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ لَهُ، وَالدَّلِيلُ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ فَهُوَ قَطْعِيٌّ، وَأَحَادِيثُ الْآحَادِ ظَنِّيَّةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَكْذُوبَةً مِنْ بَعْضِ رِجَالٍ السَّنَدِ الْمُتَظَاهِرِينَ بِالصَّلَاحِ لِخِدَاعِ النَّاسِ ا هـ.
أَقُولُ: وَهُنَاكَ تَمْيِيزٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى قَطْعًا، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَإِنَّ فِيهَا مَا هُوَ مِنِ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ دُونَ الْوَحْيِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ إِذَا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) (8: 67) وَقَوْلِهِ: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) (9: 43) .