ومثل هذا قول الله جل قوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)
فإنما خفف - جلَّ جلالُه - عنهم، والاضطرار الذي كان حالًا علم الله ذلك منهم،
وهو الذي ضيعه الغافلون قبلهم فحاق بهم المكروه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ...) إلى قوله جلَّ قوله: (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) .
وقوله جلَّ قوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) .
وقوله: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) معناه: بالإيمان، والعمل بطاعتي (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
أي: يصلحوا لأن أختصهم وأتولاهم بولايتي، فألحقهم بمن توليت
شأنهم وعصتمهم ووليت أمرهم، فيكونون يسمعون بي، ويتضرعون بي، وينطقون
بي، ويمشون بي، وأجعلهم في مواطن محادثتي وتكليمي، وهناك إن دعوني
أجبتهم، وإن سألوني أعطيهم، وإن استنصروني نصرتهم.
(فصل)
اعلم - أرشدنا الله وإياك، وعلمنا من علمه، وأجزل حظنا من معرفته - أن هذه
المنزلة لا مطمع فيها إلا بفضل الله - جلَّ جلالُه - وتعالى، ورحمته يقصد بها عبده، ومن
شأنهم تفريغ القلوب له، والنصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين خاصة وعامة، والذكر
الكثير في الذكر في العمل له بمرضاته بوفاق الأخلاق فيه، وعلم بالمطلوب رضاه
وإيمان به، ولا يقتصد في الإيمان به دون مشاهدة الحضرة في كل موطن وعلى كل
حال، كما قال عز من قائل: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) .
(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ
شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) وإنما هو أن ترضيه، فإذا فعلت ذلك أرضاك.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) . وهو
أن ترضيه فيرضيك، كما قال جل قوله:"إذا تقرب عبدي مني شبرًا تقربت منه"
ذراعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"."