يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَإِذَا سَأَلَكَ يَا مُحَمَّدُ عِبَادِي عَنِّي أَيْنَ أَنَا؟ فَإِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ أَسْمَعُ دُعَاءَهُمْ، وَأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِيَ مِنْهُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي سَائِلٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ} الْآيَةَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَسْأَلَةِ قَوْمٍ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ سَاعَةٍ يَدْعُونَ اللَّهَ فِيهَا؟
عَنِ ابْنِ صَالِحٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّهُ، بَلَغَهُ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ الدُّعَاءَ وَمُنِعَ الْإِجَابَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ""
وَمَعْنَى مُتَأَوِّلِي هَذَا التَّأْوِيلِ: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي أَيُّ سَاعَةٍ يَدْعُونَنِي فَإِنِّي مِنْهُمْ قَرِيبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْلِ قَوْمٍ قَالُوا إِذْ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} إِلَى أَيْنَ نَدْعُوهُ؟
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْمٍ قَالُوا: كَيْفَ نَدْعُوا؟
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: اسْتَجَبْتُ لَهُ وَاسْتَجَبْتُهُ بِمَعْنَى أَجَبْتُهُ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الْغَنَوِيُّ:
[البحر الطويل]
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى ... النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
يُرِيدُ: فَلَمْ يُجِبْهُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} فَلْيَدْعُونِي
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلْيُصَدِّقُوا، أَيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي إِذَا هُمُ اسْتَجَابُوا لِي بِالطَّاعَةِ أَنِّي لَهُمْ مِنْ وَرَاءِ طَاعَتِهِمْ لِي فِي الثَّوَابِ عَلَيْهَا وَإِجْزَالِي الْكَرَامَةَ لَهُمْ عَلَيْهَا.