فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَكَ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ كَمَا قَدْ وَصَفْتُ فِيمَا مَضَى. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ، فَمَا قَوْلُكَ فِيمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَصَامَ الشَّهْرَ وَهُوَ مِمَّنْ لَهُ الْإِفْطَارُ، أَيَجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ صِيَامِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أَوْ غَيْرِ مُجْزِيهِ ذَلِكَ؟ وَفَرْضُ صَوْمِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ بِهِيئَتِهِ وَإِنْ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَهَلْ لِمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَمْ ذَلِكَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ صَوْمُهُ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ فِيهِ حَتَّى يُقِيمَ هَذَا وَيَبْرَأَ هَذَا؟
قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَنَحْنُ ذَاكِرُو اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَمُخْبِرُونَ بِأَوْلَاهُ بِالصَّوَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْإِفْطَارُ فِي الْمَرَضِ عَزْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، وَلَيْسَ بِتَرْخِيصٍ.
عَنِ الضَّحَّاكِ «أَنَّهُ كَرِهَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ» وَقَالَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا قَامَ.
وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَرَضَ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى مَنْ شَهِدَهُ مُقِيمًا غَيْرَ مُسَافِرٍ، وَجَعَلَ عَلَى مَنْ كَانَ مَرِيضًا، أَوْ مُسَافِرًا صَوْمَ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرَ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قَالُوا: فَكَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لِلْمُقِيمِ إِفْطَارُ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصَوْمُ عِدَّةِ أَيَّامٍ أُخَرَ مَكَانَهَا؛ لِأَنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِشُهُودِهِ الشَّهْرَ صَوْمُ الشَّهْرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ مُقِيمًا صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.