قلْتُ: لأنَّ:"عَفَا الشَّيْء"بمعنى تركَهُ، ليْس يثبُتُ، ولكنْ"أَعْفَاهُ"، ومنه:"وَأَعْفُوا اللِّحَى"، فإنْ قُلتَ: قد ثَبَتَ قولُهُمْ:"عَفَا أَثَرَه"إِذَا مَحَاهُ وأَزَالَهُ، فهلاَّ جَعْلتَ معْنَاه:"فَمَنْ مُحِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء"قلْتُ: عبارةٌ قلقلةٌ فِي مكَانها، والعفُو فِي بابِ الجناياتِ عبارةٌ متداولَةٌ مشهُورة فِي الكتَاب والسُّنةِ، واستعمال النَّاس، فلا يُعْدَلُ عنها إلى أخرَى قلقةٍ نابيةٍ عنْ مكانها، وَتَرَى كثيراً ممن يتعاطَى هذا العلْمَ يجترئُ إِذَا أعْضلَ علَيْه تخريجُ وجْهٍ للمشْكِلِ من كلام الله تعالى على اختراعٍ لُغةٍ، وادِّعاءٍ على العرب ما لَمْ تعرْفهُ، وهذا جُزأةٌ يستعاذ بالله منها.
قال أَبُو حَيَّان: إذا ثَبَتَ أنَّ"عَفَا"بمعنى"مَحَا"فَلاَ يَبْعُدُ حَمْلُ الآية علَيْه، ويكون إسناد"عَفَا"لمرفوعِهِ [إسناداً حقيقياً؛ لأنَّهُ إِذْ ذاكَ مفعولٌ به صريح، وإذا كان لا يتعدَّى كان إسناده لمرفوعِهِ] مجازاً؛ لأنَّه مَصْدَرٌ مشبَّهٌ بالمفعول به، فقد يتعادَلُ الوجْهَان؛ أَعْنِي: كوْنَ"عَفَا"اللاَّزم لشهرته فِي الجنايات، و"عَفَا"المتعدِّي بمعنى"مَحَا"لتعلُّقه بمرفوعِهِ تعلُّقاً حقيقياً.
فإن قيل: تضَمّن"عَفَا"معنى تَرَكَ.
فالجوابُ: أنَّ التَّمين لا يَنْقَاسُ، وقد أَجَازَ ابن عطيَّة - رحمه الله - أن يكون"عَفَا"بمعنى"تَرَكَ".
وقيل إِنَّ"عُفِيَ"بمعنى فُضِلَ، والمعنَى: فَمَنْ فضل له من الطائفَتَيْن على الأُخْرَى شيء ٌ من تِلْك الدِّيات؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَفَاء الشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ، وَأَظْهَرُ هَذه الأقْوَالِ أوَّلُهَا.
قوله: {فاتباع بالمعروف} فِي رفْع"اتِّبَاعٌ"ثلاثةُ أوجهٍ: